شارك
|

"الجامع الكبير" في "معرة النعمان".. أهم بناء أثري في المدينة

تاريخ النشر : 2018-03-25

مسجد متميز يعتبر أكبر مسجد في في مدينة "معرة النعمان"، هو الجامع الكبير القابع وسط المدينة والذي يعتبر نقطة علام يهتدي بها القادمون حتى في العهد الحاضر لشموخ مئذنته المرتفعة والتي تظهر للعيان من الشرق والغرب مهما ارتفعت الأبنية حولها.


هو من أهم المواقع الأثرية في المحافظة لما يمتلكه من غنىً أثري ومعماري تتضح من أقسامه التي ظلت شامخة في وجه عاديات الزمن، ويقع هذا المسجد في قلب المدينة القديمة، ويعود تاريخه إلى العهد الوثني حيث كان معبداً وثنياً ومن ثم تحول إلى "كاتدرائية" كبيرة وذلك إبان العهد المسيحي، وتحول بعدها إلى مسجد جامع وذلك عقب فتح "المعرة" من قبل القائد الإسلامي "أبو عبيدة بن الجراح" في السنة السابعة عشرة للهجرة حيث تم تحويل "الكاتدرائية" إلى مسجد صلحاً مع أهل "المعرة"، إذ يعد هذا المسجد البقعة المقدسة في المدينة .



الجامع كتلة من الطراز المعماري القديم وهو شبيه بالجامع الأموي في "حلب" إلا أن الأول متأخر ومتدرج في عهود بنائه التاريخية، وهو يتألف من عدة أقسام يرجع كل منها إلى عهد مختلف: «أولاً مئذنة الجامع الكبير وتعود إلى العهد الأيوبي، ثم صحن المسجد الذي يضم "الميضأة" و"المزولة" اللتين تعودان إلى الفترة المملوكية، كما يوجد في الصحن بئر قديم كان يُستخرج منه الماء للشرب، وفي المسجد حَرمان يطلان على الصحن هما الحرم القبلي والحرم الشمالي، ويعودان إلى الفترة المملوكية أيضاً .



وفي وثيقة "نبذ من أوابد المعرة" يذكر الأستاذ "عبد الرحيم المصري" حقائق أخرى عن عهود المسجد التاريخية قائلاً: «يوجد في الناحية الشرقية للمسجد دلائل على الفترة الوثنية وهي رأسي ثور بارزين وقرص شمس وأحرف يونانية، وتوجد في أعلى الميضأة آثار تعود للعهد البيزنطي، فهي تقوم مثلاً على عشرة أعمدة أسطوانية يتوج معظمها تيجان كورانشية من تلك الفترة وتعلوها عوارض "أرشيتراف" غنية جداً بالزخارف النباتية، كأزهار شوكة اليهود والمراوح النخيلية، أما حَرَما الصلاة فيتوضع على جدرانهما بعض الكتابات العربية وأطولها لا بل أبرزها الموجودة على الجدار الجنوبي للحرم القبلي من الداخل وتفيد في عمارة الحرم من قبل المماليك وقد نقشت بشكل نافر سنة /775/ هـ، وبالأساس فإن سقف الحرم المذكور مُقام في العصر المملوكي على جدران كنيسة بعد أن أُضيف إليه جداران آخران من الشمال والجنوب، أما الحرم الآخر وهو "الحجازية" فتدل كتاباته على عمارته التي تلت الحرم القبلي وهي سنة /886/ هـ، وبالنسبة للمئذنة فتوجد في حجارتها علائم كنسية مثل شارة الصليب في بلاطة على إحدى نوافذ البرج العلوي ما يدل على استخدام نفس أحجار البناء غير مرة، وفي البرج الثالث من الغرب كتابة مؤلفة من سطرين بخط نسخي أيوبي».



يضيف الأستاذ "عبد الرحيم" عن محراب المسجد قائلاً: «محراب المسجد كان في الماضي مكسواً بالرخام والفصوص والجص على شكل المحاريب التزيينية في جوامع "دمشق"، وقد ذكر "ابن الوردي" بالحرف الواحد أنه في سنة /323/ هجرية عملت قبة المسجد الجامع في "معرة النعمان" بالرخام والفصوص والجص، وعمل ذلك اخوان من "دمشق" ولم يزل كذلك إلى أن أحرق "نقفور الثاني فوكاس" ملك الروم الجامع وأكثر الدور بعد أن فتحها».



وفي وصف سريع لأوابد الجامع الرئيسية قال الأستاذ "أحمد غريب": «صحن الجامع المكشوف يتوسطه مبنىً مثمن الشكل يسمى الميضأة، وهي عبارة عن حوض مائي مُقام عليه أنصاف أعمدة أسطوانية الشكل تعلوها تيجان كورنثية مزخرفة ترتبط مع بعضها البعض من الأعلى بعوارض حجرية، تعلوها أيضاً أنصاف قناطر دائرية الشكل يرتفع عليها "أرشتراف" مزخرف بورق الأكانتس ويلاحظ التأثر الكلاسيكي في هذه الزخارف، وفي نظرة على هذا البناء يُلاحظ اعتماد عناصر معمارية نقلت من مواقع أثرية كالتيجان المزخرفة و"الأرشتراف"، وإلى غرب الميضأة توجد "مزولة" وهي بناء مسدس يعرف بها دخول صلاة الظهر، وتقوم على ستة أعمدة أسطوانية بقبة مدببة وهي متواضعة جداً تخلو من أية زخارف أو كلفة معمارية».



وعن مدخل الجامع الرئيسي أضاف "الغريب": «مدخل الجامع الكبير اتجاهه من الغرب ويُهبط منه إلى صحن الجامع عبر ست عشرة درجة، وكان كما ذكر المؤرخون والرحالة يصعد إليه بثلاث عشرة درجة والآن ينزل إليه بست عشرة درجة، وهذا يدل على التراكمات التي تعاقبت على هذه المدينة من هدم وزلازل، وكان أهل "المعرة" يكتفون بالبناء فوق أنقاض القديم لذلك جاء صحن الجامع منخفضاً عما حوله».

قي أن نذكر أن مئذنة الجامع الكبير روعة فنية في غاية التأثير وهي كما وصفها الأستاذ "عبد الرحيم المصري" في وثيقته قائلاً: «أهم ما في الجامع منارته المربعة، وهي أجمل أثر عمراني أبقاه الزمان في "المعرة" وأنفس ذخيرة حفظتها الأيام لتكون مثلاً يدل على مبلغ الفن العمراني في ذلك العهد، وهي- والحق يقال- بديعة الرواء محكمة البناء لا تدانيها في أحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في "حلب"».


عدد القراءات: 1932