شارك
|

الطربوش

تاريخ النشر : 2017-04-04

 

 صناعة "الطرابيش"، بدأت في حي "الميدان" و"المرجة" الأحياء التاريخية والسياحية التي يصعب وجودها في أي من العواصم العربية، باستثناء القلة منها مثل المغرب والقاهرة.

 

الطرابيش صناعة قديمة وتراث دمشقي قديم له نوعان، بعضها يصنع من الصوف المضغوط "اللباد" أو من الجوخ الملبس على قاعدة من القش أو الخوص المحاك على شكل مخروط ناقص، ويتدلى الطربوش الشرقي من جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء تدعى "الشراشيب"».

 

إن رحلة البداية لـ"الطربوش" كان في فترة دخول الدولة العثمانية إلى مدينة "دمشق"، حيث ازدهر فيه بشكل كبير، ففي عهد السلطان سليمان القانوني أصدر مرسوماً بتعميم ارتداء الطربوش بالنسبة للرسميين من أبناء السلطة العثمانية، ثم انتشر بعد ذلك بين كافة الشعب، وأخذ مكانه فيما بعد على رؤوس "بكاوات" و"باشاوات" سورية في أوائل القرن الماضي.

 

وانتشرت صناعة الطربوش بشكل مكثف قبيل القرن التاسع عشر إبان فترة الحكم العثماني أيضاً، وأصبح من المعتاد وضع الطربوش الأحمر على رؤوس، وهو في الأصل ابتكار عربي لغطاء الرأس، إذ ظهر الطربوش الأحمر لأول مرة في منطقة المغرب العربي، وحل محل العمامة والحطة والعقال، لكن الرئيس التركي آنذاك "كمال أتاتورك" أصدر أمراً بمنع استعمال الطربوش الأحمر المعروف بقانون "القيافة" في عام 1926 لتحل محله القبعات الغربية.

 

واستخدام الطربوش حالياً، يستخدم عند رجال الدين الذين يضعون العمامة البيضاء أو الملونة السادة أو المنقوشة حول الطربوش،‏ وما يزال الطربوش موجوداً في نطاق ضيق ويباع في المحلات التراثية حيث تستخدمه فرق الإنشاد والفرق الفلكلورية والمسلسلات الشامية التي نشّطت إلى حد ما الاهتمام به وإنقاذه من الانقراض.‏

 

الطرابيش كان له عدة دلالات نفسية تعكس الحالة المزاجية على كل من يرتديه، بالإضافة إلى تحديد الانتماء الجغرافي والمستوى الاجتماعي للمواطنين ، فتغير وضع الطربوش على الرأس إلى المزاج النفسي أو أهمية الطرف المقابل، وربما نوعية القضايا التي يجري بحثها، فالطربوش إذا كان مستقيماً وثابتاً له معنى يتوافق مع الاستقامة، وإذا كان مائلاً إلى الخلف فيدل على المزاج الرائق، ولا يخلو من الرغبة في التوجيه أو السخرية، ومثلما لوضعية الطربوش على الرأس دلالة، فإن نوع الطربوش يحدد الانتماء الجغرافي والمستوى الاجتماعي، فطربوش "نابلس" يختلف عن طربوش "الشام"، الأول أكثر دكنة وأطول إضافة إلى أن نهايته أدق، أما الطربوش الشامي فأقصر من حيث الارتفاع

 

كان يعكس الطربوش "الدمشقي" الذي تميز بالتطريز بالخيوط الذهبية على حوافه رمزاً اجتماعياً وثقافياً خاصاً لمناخ مرحلة من مراحل "دمشق" بصفة خاصة، والذين كانوا يرتدون "الطرابيش" كان يمتلكون موقعاً مهماً في المستوى الاجتماعي والسياسي.

 

 الطربوش كان ضرورياً لاستكمال المظهر الرسمي عند الموظفين الحكوميين، إلى أن انتهى استخدامه بعد الاستقلال، وبقي في سيرة الذاكرة الشعبية والتراث، فكان الطربوش يميز من يعمل في وظيفة رسمية عالية، ورؤساء الوزارات والوزراء وكبار الموظفين أياً كانت اعتقاداتهم اعتمدوا الطربوش زياً رسمياً وحرصوا على وضعه على رؤوسهم، فوضعه على رأسه مثلاً "شكري القوتلي" و"بشارة الخوري"، ولم يقتصر الطربوش على ذوي الوظائف الرسمية الكبيرة وحدهم، كان لصاحب الدخل المحدود طربوش واحد، وللشخص الغني طرابيش كثيرة تتفاوت من حيث اللون والمقاييس وأوقات الاستعمال، ولذلك كانت صناعة الطرابيش مزدهرة ولها أربابها.‏

 

الطربوش" له حضوره القوي كسلعة أثرية يتهافت عليها السياح وأهل البلد، والطريف أن الكثير من السياح يرتدونه على امتداد الشواطئ بدلاً من القبعات لحمايتهم من وهج الشمس في منتصف يوم جميل، أما في المساء ترتديه الأجنبيات في حفلات السمر والحفلات التنكرية تحت شعاع فضي لقمر مكتمل في الليالي الدمشقية الطويلة.


عدد القراءات: 1542