شارك
|

هيلا يا واسع ...

تاريخ النشر : 2017-02-06

خاص - أمين عوض

 

هناك على شاطئ بيروت و تحديداً بالقرب من صخرة الروشة، تستذكر أم خالد أبناءها الثلاثة الذي أخذهم البحر بعيداً ...هناك حيث يدور الزمان و لا ينتهي كما تقول الستينية الثكلى على فراق الأحبة و نحن نرتشف كأس الشاي الدافئ الذي تكسر شيئاً من برودة الطقس و تلك القشعريرة السقيمة التي يضفيها الشوق و الحنين "للغوالي"..كما تصفهم أم خالد .

 

تبدأ أم خالد حديثها بالقول :" لقد كان كل شيءٍ جميلاً يمشي كعقارب الساعة فأبنائي الثلاث فادي و حسام و مجد كانوا كل ما أملك بعد رحيل والدهم في تسعينيات القرن الماضي بعد صراعٍ مع المرض" تتنهد و تطلب مني سيجارة تحاول من خلالها التخفيف من توترها السقيم الذي يفرضه عليها فرض الأحداث المريرة التي مرت بها .

 

تتابع أم خالد و الحسرة تعتصر أجزاء جسدها الذي أهرمته سنين الغربة هنا في لبنان :" كنا نقطن في دمشق و كانت الأحوال "عال العال" و كان أبنائي يرتادون الجامعات و المدارس و كنا نعيش بسلام محاطين بالأهل و الأقارب.. فادي الصغير كان قد أنهى معهد تعويضات سنية و يعمل في أحد المخابر في شارع الحلبوني، أما حسام فكان قد تعلم مهنة الحلاقة الرجالية و يعمل مع خاله في صالونه الموجود في منطقة باب توما، في حين أن مجد الأصغر(روح أمو) فكان لديه حلم باحتراف كرة القدم، لذل قمت بتسجيله بأكاديمية كرة القدم الحديثة التي كانت قد افتتحت في دمشق قبل هذه الغمامة التي أسدلت بخيوطها على وطننا الحبيب سورية".

 

حصلت الواقعة و دخل المسلحين إلى منطقتنا التي كانت وادعة, تقولها أم خالد و هي تطفئ سيجارتها بقوةٍ و كأنها تريد محو تلك اللحظة من وجدانها و ذاكرتها: "فاضطررنا أنا و الشباب إلى اللجوء إلى لبنان لأن الكثير من أقاربنا قد سبقنا إلى هنا، ففضلنا الوجود بالقرب منهم, و نظراً للوضع المزري لنا كسوريين هنا قام أبنائي الثلاث باختيار طريق السفر إلى أوروبا علهم يجدون في تلك البلاد البعيدة أملاً في بدايةٍ جديدة حرمهم الإرهاب الذي ضرب سورية عيشها و تحقيقها على أرضهم الذي ولدوا فيها و ترعرعوا".


"يا لطيف يا ابني شو متمناية شوفن قبل ما موت" تقولها أم خالد بلهجتها الدمشقية الأصيلة: "أكلمهم كل يوم و يكلموني و يحاولون إيهامي بأنهم سعيدين كي لا يشعروني بالقلق, و لكن قلب الأم دليلها استشعر في نبرة صوتهم عدم رضا على معيشتهم في تلك الدول التي لا تشبهنا بشيء و سيأتي يوم و تلفظ الجميع و لربما تلقيهم في البحر، لكن( شو جبرك على المر قال اللي أمر منو)".

 

تتابع أم خالد: "أكثر ما يخيفني هو أن ينتهي العمر قبل أن أتمكن من لقاء أبنائي مرةً أخرى و العودة بهم إلى دمشق لزيارة  قبر والدهم الذي يقبع هناك و المرور بكل ما نحب من ذكرياتٍ لنا في تلك الأرض الطاهرة, و الفكرة الأكثر إيلاماً لي يا ابني (الله يخليلك أهلك) هو أن أموت و لا أجد أحداً من أبنائي يقف في جنازاتي للأخذ بالخاطر".

 

تختم أم خالد حديثها بعد أن نظرت إلى الشمس البعيدة التي كانت تختفي خلف أمواج المتوسط وتقول:" ستعود سورية و سيعود كل أبناءها يوماً, فمع كل غروب للشمس أتذكر دومأ أن هناك شروق في اليوم الذي يليه...سورية خالدة يا ابني, سنرجع يوماً".

 


عدد القراءات: 1823