شارك
|

"الفن الهابط" بين الاصطلاح والدّلالة

تاريخ النشر : 2015-11-08

رهام راجح محمود

 

شكّلت المصطلحات عبر التّاريخ الإنساني، مجموعةً من الدّلالات، للتعبير عن المادّيّات والأفكار المجرّدة، لتُكوّن مع مرور الزّمن جملةً من التصوّرات الذهنيّة المسبقة ،لمدلولات راسخةٍ في الوعي الجمعيّ لمجموعة البشر النّاطقين بلغةٍ واحدةٍ.
ومن هذه المصطلحات كان "الفن"، والذي يحتلّ المساحة الأرقى في عرش التجربة الإنسانيّة .


وضع الفيلسوف الفرنسي "إيتيان سوريو" رؤيته –الأقرب للكمال- لأنواع الفنون ،وهي كما يصنّفها:
• نحت
• رسم
• تلوين
• موسيقى
• رقص
• أدب وشعر
• سينما


تباينت الآراء حول مهمّة الفنّ ،أو وظيفته منذ القدم، فمنها ما رأى فيه وسيلةً للإمتاع والتّرويح عن النفس، وبهذا الفهم مُني الفن بكثير من النشاطات الإنسانيّة التي نُسبت إليه تعسّفاً، وساهمت في تسطيح ذائقة المتلقّين، لأن الفنّ وفق هذا الفهم ، سينحدر إلى الدّرك الاستهلاكي والاستخدامي ويفقد بذلك طاقته الحرّة الولّادة.


"الفن هو الخلق"

الفن هو إدراكٌ لكنه الواقع، وإبصاره شفّافاً وسط تشويش الحوادث اليوميّة، التي تُحفّز الخيال الإبداعيّ للفنّان، لإنتاج الواقع، أو مافوق الواقع " السريالية" بوصمةٍ جماليّة.
فعبر الفن يترجم المبدع انفعالاته ،وأحاسيسه ،وأفكاره المجرّدة بأعمالٍ إبداعيّةٍ مصدرها الذّات الحرّة والرّوح الخلّاقة .
ولكن .. هل تُصنّف جميع الأعمال التي تصوغ معادلاً للواقع بصرياً كان أم نثريا ً ضمن باب الفن ؟
وما هي المعايير التي تميّز العمل الفني من سواه؟
وما هي الخصائص التي تنحدر بالنشاطات الإنسانية إلى الابتذال؟

 

يتصدّر مصطلح " الفن الهابط "الحديث، حين تُناقش حالة " الفن" أو ما يسمّى فناً في الوقت الراهن.
لطالما حازت " الأغاني العربية" المُصوّرة على طريقة الفيديو كليب حصّة الأسد من هذا التوصيف.
تدنٍّ في المستوى الفني للصّورة ، وسقوطٌ دائم ٌفي هاوية الابتذال.
نادرةٌ هي "الكليبات العربية" التي لم تُكرّس صورة " المرأة السلعة" بين ثناياها، حتى ليظنّ المشاهد أنّه يراقب لوحةً راقصة ً لجوارٍ في عصور غابرة ، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الجمال والتناسق في الحركات، والمرونة ، أو مشهدا من مشاهد سوق النخاسة أيام الرقيق ، حيث كان النّخاسون- المخرجون في يومنا هذا –يعرضون مفاتن أجساد الرّقيق على الملأ، بصورة منفّرة مستفزّة، تكرّس الاستلاب الجسدي والنفسي والفكري، فضلاً عن أصوات المغنين، التي تصدّع الرأس بنشازها ،وتذكّر بصلصلة الحديد أكثر منها بالأصوات الإنسانيّة.
فهل يندرج هذا النّمط من النّشاطات الإنسانيّة تحت عنوان الفن؟

 

الأمر ذاته ينطبق على مسلسلات المهاترات النسائيّة التلفزيونية ،في أعمال البيئة الشّامية ,التي صارت تكريساً لحالةٍ من الخمول و البلادة في النّص و الأداء و الإخراج . فلا يُتعب المخرج نفسه بإبعاد عبوات المياه البلاستيكيّة التي تحمل أسماء ماركات تجارية رائجة في يومنا هذا عن موائد المسلسل ، ولا يُساءل نفسه كيف يوضع البرتقال- وهو فاكهة شتوية- ،مع الخيار و البطيخ -الصّيفيان- في طبق واحد، في مناخ زمانيّ، يسبقنا بمئة عام على الأقل . ناهيك عن الموز الصّومالي الذي لا يعلم إلا الله كيف كان أجدادنا في بلاد الشام ،ليجلبوه من الصومال قبل مئة أو مئتي عام .

 

فهل يسمّى هذا فناً؟

إن الفنّ الحقيقي الذي يتّخذ من الفكر مَطيّة ًوالخيال رفيقاً , مشحوناً بمعاناة الإنسانيّة عبر آلاف الأعوام ،لن يكون يوماً هابطاً .
و الرّوح المبدعة الخلّاقة التوّاقة إلى الجمال و الحريّة ،و التي ضَمّنت الفن خلاصة تأمّلاتها ، لن تنتج يوماً فناً هابطاً .
فإمّا أن يكون الفنّ حقيقيّاً صرفاً ، يحاكي روائع الإنسانيّة الخالدة بعظمتها و خلودها ،أو فليُبْعَد إلى تصنيفاتٍ أخرى لاتمسّ قدسية هذا المصطلح ،الذي صار مَسبّةً في بعض المجتمعات، تدفع إلى الهمز و اللّمز ساعة ذكر المُتّهمين به


عدد القراءات: 1047