شارك
|

بيرم وتسبين.. مأساة العشق واحمرار التوت الشامي

تاريخ النشر : 2015-06-04
قصة حب سورية بابلية رواها الشاعر الروماني أوفيديوس ( ٤٣ ق.م - ١٨ م ) واقتبسها الإغريق ورووها بين أساطيرهم عن بابل. والقصة تدور حول الحب الممنوع الذي لا يزال ممنوعاً في أوساط واسعة من الشرق وهي من ميثولوجيا الأصول، عن كيفية وجود التوت الشامي الأحمر القاني بعد أن كان أبيض كالثلج. وقد تبدل لونه بشكل غريب.
القصة: في بابل العظيمة، مدينة الملكة سميراميس (شمورامات) عاش شاب اسمه (بيرم) وهو من أجمل فتيان الشرق وصبية اسمها (تسبين) من ألطف بناته وأجملهن. سكنا في بيتين متلاصقين يفصل ما بينهما جدار مشترك، ترعرعا جنباً إلى جنب ومع نموهما كان ينمو في قلبيهما حب عاصف أقوى من أي عائق. كانا يتوقان إلى الزواج لكن تقاليد الأهل لا تسمح. وكلما حاولا إخماد حبهما تأججت ناره. فالحب دائماً يجد سبيله للقلوب ولم يعد بالإمكان فصلهما إلى الأبد.
في الجدار المشترك بين البيتين، اكتشف العاشقان شقاً لم يلحظه أحد من قبل، وكأن العشاق لا يفوتهم شيء. تبادلا همسات الحب عبر الحائط المشقوق. (تسبين) من جانب و(بيرم) من الجهة الأخرى، حتى أصبح ذلك الفاصل المشؤوم وسيلتهما الوحيدة للاتصال. إنه يسمح للكلمات أن تخرقه ولا يسمح للقبلة أن تمر فيه. وفي الليل قبل أن يأوي كل إلى فراشه كان يطبع قبلة على ذلك الجدار البارد ويمر بخياله عبر الجدار. وفي كل صباح عندما يطل الفجر ليمحو النجوم في قبة السماء. وتذيب أشعة الشمس الصقيع العالق بالأعشاب. كانا يسرعان الخطى إلى الشق بعد ليل ملؤه السهاد ليتبادلا همساتهما من جديد ويندبان سوء طالعهما وقسوة القدر.
إلى أن أتى يوم قرر العصفور الحبيس أن يفر من قفصه. لقد اتفقا ذات ليلة على التسلل والهرب خارج المدينة إلى البرية حيث يجدان الحرية من المجتمع وتقاليده، وتواعدا على اللقاء عند قبر (فينوس) مؤسس نينوى الأسطوري ((1)). وكانت تظلل القبر شجرة توت وارفة الظلال تبرز من بين أوراقها الخضر ثمار بيضاء كالثلج ويتدفق من تحتها نبع اسمه (فوّار) كله ماء عذب. لقد تلهفا لتنفيذ الخطة وانتظرا ذلك النهار لينقضي وكأنه سنة كاملة.
انحدر (شمش) ((2)) نحو الغرب ليدخل في أحشاء أمه الأرض ((3)). ويختفي حيث تلتصق الأرض بالسماء ثم أرخى الليل سدوله. ولكن البدر (سين) ((4)) قد صعد في الجِلْد ((5)) ليرسل نوراً لطيفاً يخفف حلوكة الليل. وكان ذلك مواتياً (لتسبين) كي تتلمس طريق الهرب إلى قبر (فينوس) وشجرة التوت حيث يكون اللقاء.
وصلت، ولم تجد (بيرم) في انتظارها، لقد تأخر، قلقت، شدّد الحب من عزيمتها، فتشجعت وانتظرت وحدها في سكون الليل. وفجأة لمحت من بعيد لبوة تخرج من الغابة تهرول نحو النبع لتروي ظمأها بعد أن افترست غزالاً وملأ الدم شدقيها.
هربت (تسبين) قبل أن تراها اللبوة، ركضت لكن النسيم أسقط منديلها ولم تأبه لالتقاطه، مرت اللبوة بالمنديل فمزقته بفمها المدمّى، ثم شربت حتى ارتوت، وقفلت عائدة إلى عرينها في الغاب.
حضر (بيرم) ولم يجد سوى المنديل الملطخ بالدم وآثار خطى اللبوة في الغبار، فتطلع حوله وإذا هي تدخل الغابة. كان المشهد واضحاً وفظيعاً، وخلاصته كانت واضحة بالنسبة له. فهو المسؤول عن موت حبيبته، وهو الذي تأخر وتركها وحدها تنتظر في هذا المكان الموحش، وليس بقربها سوى بقايا جثة في قبر. إنها غضة الشباب لكنها لا تقوى على الدفاع عن نفسها وصار شعوره بالذنب قاتلاً.
صاح: "أنا من قتلك".. لملم المنديل وقبله ثم قبله، وهرول نحو شجرة التوت وخاطبها قائلاً: "إنك الآن ستشربين دمي". واستل سيفه وغرزه بين أضلاعه ففار دمه وانهمر متسللاً إلى نبع (الفوار) لتشرب منه شجرة التوت ذات الثمار البيض. التي اصطبغت بالأحمر القاني بهدوء وحزن.
ثم هو يتخبط بدمائه كان حب (تسبين) أشد من الخوف فعادت واتجهت نحو الشجرة فوق القبر، كانت الشجرة في مكانها لكن شيئاً قد تغير. لم تعد ترى الثمار البيضاء وقد كانت هناك قبل وقت قصير. سمعت أنيناً فارتعدت. رجعت إلى الوراء، خافت، حدقت تحت ضوء القمر. إنه بيرم في بركة من دمائه، ركضت إليه وطوقته بذراعيها. لقد كان جلده بارداً مبللاً بالعرق، قبلت شفتيه الباردتين ورجته أن ينظر مرة واحدة إليها، قالت: "أنا تسبين، كلمني أتوسل إليك"، وعند سماع اسمها فتح عينيه الثقيلتين ورمقها بنظرة الوداع الأخير، ولم تكن نظرة طويلة، لأن الموت اطفأ نور عينيه.
كان سيفه ساقطاً بجانبه، ومنديلها الممزق ما يزال عالقاً في قبضته ففهمت بدقة دون كلام: "أنت قتلت نفسك بسبب حبك لي وما كان شيء ليفصل بيننا سوى الموت، وأما الآن فحتى الموت لن يفرق بيننا"، وأغمدت السيف في أحشائها وهو لا يزال مبللاً بدم حبيبها المتجمد.
رأت الآلهة المأساة وأشفقت على نهايتها المفجعة، وبقيت ثمار التوت تذكاراً أبدياً لحبهما العاصف، تولد بيضاء كالثلج وتعود إلى لونها الأحمر القاني في نفس موعد لقائهما كل عام. أما (بيرم وتسبين) ففي زجاجة واحدة وضع رمادهما، وهكذا لم يفرقهما شيء حتى ولا الموت.
 
من كتاب الميثولوجيا السورية للدكتور وديع بشور.
 
 
توضيحات :
1) ليس المقصود الآلهة فينوس، بل هو تشابه في الأسماء، وفينوس هو اسم مؤسس نينوى الأسطوري.
2) يقصد الشمس: شمش هو إله الشمس.
3) حسب الأساطير السورية، الأرض كانت آلهة أيضاً وهي أم الإله شمش.
4) سين: اسم آلهة القمر.
5) الجلد: بحسب الأسطورة السورية، الأرض والسماء كانتا ملتصقتين ببعضهما، ثم جائت الآلهة (نمو) وفصلتهما عن بعضهما بتمزيقهما، فتكون الخلق بينهما، وصارت السماء هي الجلد الذي يتمدد فوق التراب أي الأرض.
 
 

عدد القراءات: 6495