شارك
|

أساور الكلام.. الحسكة … يا قمر الجزيرة

تاريخ النشر : 2016-08-27

لمن لم يسمع بعد، يقولها الطفل والعشب والنهر والرمل وعصفور الدوري، وتردِّدها الرُقُم الفخارية من الألف الثالث قبل الميلاد حتى اليوم، وتترنم بها المعابد والكنائس والمساجد بكل اللغات واللهجات والأعراق: سورية سجّادة السماء، نُسجت بألوان قوس قزح، أعني بالجمال والتنوّع والعيش المشترك، وما عدا ذلك مما نراه ونعيشه اليوم من خساسة ونذالة وخيانة وقتل وتدمير وتجييش عرقي وطائفي دخيلٌ عليها، اشتغل عليه وروّجه سدنة بيت المال الأمريكي، والخدم الأذلاء لقوى التوحش والتكفير من آل سعود مغتصبي الحرمين الشريفين، وتبنّته الطحالب السامة والزواحف مطأطئة الرأس من الحاقدين والموتورين ومدّعي «الديمقراطية والتمدّن» أو «الإسلام» الذين يحاولون التسلق على قامتها العالية ولا يصلون إلى قدميها.

والحسكة، قمر الجزيرة، التي غفت تحت تلالها حضارات العالم، واستمالت العشاق والقادة والمفكرين والبسطاء الطيبين من كل أصقاع الدنيا، من حمورابي إلى آغاثا كريستي، هي خيط إلهي في تلك السجادة، كما كل ذرة تراب على أرض سورية، خيط غير قابل للسحب منها، أو للمقايضة، أو للمحاصصة أو للتفاوض تحت أي عنوان كان.

في الحسكة وبين ضفتي الخابور والجغجغ عاش ويعيش السوريون العرب والآشوريون والسريان والأرمن والأكراد والشركس واليزيديون، عاشوا ويعيشون معاً، يحتفلون بعيد السيّدة العذراء احتفالهم بالنيروز وبالأضحى، ويتبادلون التهاني والتعازي والزيارات في الأفراح والأتراح. والخير كما الشر كان يصيب الجميع، وإنْ بنسبٍ متفاوتة لا تعود لتمييز عرقي أو ديني قدر عودتها إلى ممارسات خاطئة من هذا المتنفّذ أو ذاك، ومن هذه الجهة أو تلك، مما هو عام ويعاني منه ويشكو معظم السوريين. فما الذي حدث ويحدث اليوم ليطلق أبناء الجزيرة النار على إخوتهم وأبنائهم؟!

ربما هناك أسباب عدة، يبرز من بينها سبب رئيس، وهو السعار العرقي والطائفي الذي تؤججه وتموّله وتسلّحه آلة المصالح الأميركية والصهيونية والمحميات الخليجية تماشياً مع المخطط الجهنمي الخبيث في تمزيق سورية إلى كانتونات متحاربة تجردها من موقعها الإقليمي ومن دورها المقاوم وقرارها الوطني المستقل.

الحسكة غير قابلة للقسمة، كما هي سورية كلها، إنها حبل السرّة الذي يجمع بين كل مكوناتها ومبدعيها وكتّابها من بندر عبد الحميد، وحسن حمدان، وخلف الجراد، وخليل صويلح، ومروان ناصح، وفيصل الراشد، مروراً بصبري روفائيل، وبرصوم برصوما، وإسحاق قومي، ومعروف عازار، وأنطون دوشي، وإيفيت تانو، وانتهاء بعمر حمدي، ومعشوق حمزة، ومنير خلف، ومحمد باقي محمد، وخليل عبد القادر، ومها بكر.


الحسكة التي احتضنت كل الحضارات والأعراق والشعوب عبر التاريخ لن تستسلم اليوم لمخطط (الشرق الأوسط الجديد) والمرتهنين له تمويلاً وتسليحاً، وإني لعلى يقين بأن أبناءها قادرون على حمايتها، والذود عنها، لتبقى كما كانت دائماً مشعلاً للوطنية الحقة، ومصهراً لكل الأديان والمذاهب والأعراق تحت راية سورية أرضاً وسماءً، وبحراً وبرّاً.

 

صحيفة تشرين .. نذير جعفر
 


عدد القراءات: 3540

اخر الأخبار