شارك
|

دير سمعان والقلعة تاريخ أثري عريق يزين مدينة حلب

تاريخ النشر : 2023-04-06

يقع دير القديس سمعان وقلعته وعمود العبادة الذي تنسك عليه في منطقة جبل سمعان شمالي حلب في سورية.

 


والقديس سمعان العامودي هو قديس وناسك سوري سرياني، ولد في قرية سيسان بين سورية وقيليقية في الربع الأخير من القرن الرابع.

 


عاش في حلب، وهو أول من تنسك وتعبد على عمود حجري، وهي طريقة انتشرت بعده في كافة مناطق الشمال السوري ومنها إلى أوروبا.

 


ويقال إنه كان يبقى منتصبا على قمة العمود ليلا نهارا دون طعام أو شراب في الصوم الأربعيني، وتوفي بهذه الهيئة.

 


تم نقل جثمانه إلى كنيسة القديس قسطنطين في أنطاكية، ومن ثم إلى القسطنطينية ليتم دفنه في كنيسة آياصوفيا.

 

أصبحت الكنيسة في جبل سمعان في سوريا مقصداً للحجاج المسيحيين من أوروبا والشرق، حررها صلاح الدين من الصليبيين وحولها إلى قلعة عسكرية، لا زالت تعرف باسم «قلعة سمعان» ودير سمعان وهي من الأماكن الأثرية المسيحية الهامة في سوريا.

 


البعثات الأثرية في دير سمعان

 

جذبت قلعة سمعان العديد من الباحثين والدارسين، وأصبحت محط اهتمام المنقبين الأثريين والمرممين، حيث توافدت البعثات الغربية إليها لأجراء دراسات كاملة وللتنقيب والترميم كالبعثات الأمريكية والروسية والألمانية والفرنسية.

 


ومن خلال أعمال التنقيب الأثري في القلعة توضح مرورها بمرحلتين استيطان أساسيتين هما السوية البيزنطية وفترة الحضارة العربية الإسلامية بكافة عهودها.

 


المكتشفات الأثرية والمعمارية في دير سمعان

 

تعتبر قلعة سمعان من أهم المواقع النموذجية التي احتفظت بأوابدها قائمة إلى يومنا هذا، حيث تحتوي على الكثير من المواقع الأثرية الهامة التي أثرت بشكل كبير في تاريخ هذه المنطقة ومن هذه المواقع:

 


الكنيسة المصلبة في دير سمعان

 

تتألف هذه الكنيسة من جزء مركزي مثمن وأربعة أجنحة (كنائس) متصالبة مع بعضها، ويمكن تفصيلها فيما يلي:

 


1.المدخل: يعود تاريخ المدخل إلى القرن السادس الميلادي، ويتألف من ثلاثة أبواب يقابلها ثلاثة أقواس مزخرفة، يبلغ عرض هذه الأبواب 2,89 م وارتفاعها 4,50 م تقريباً.

وفي مرحلة لاحقة تم بناء ثلاثة أقواس تحمل مصطبة مبلطة، وفي الفترة الأموية والعباسية تم إغلاق البابين الجانبين، وبنيت جدران صغيرة قسمت الفراغات بين هذه الأبواب، كما أنه مزود ببرجين، وعثر خارج هذه الأبواب على مدفنين من الفترة الإسلامية.

 


2.المثمن: تم بناء المثمن وفق مخطط دقيق، ويتصل مع كل جناح من أجنحة الكنيسة في الوسط بقوس، ويستند كل قوس على عمودين بتيجان كورنثية الطراز.

وهو عبارة عن مبنى داخلي ليس له واجهات، سماكة جدرانه 80 سم وارتفاعها 17 م، أما الأرضية فهي معدلة مبلطة بالرخام المشقف والمطعم.أما بالنسبة للسقف فمن الممكن أنه كان سقفاً خشبياً حسب الدراسات المعمارية.

يتم الدخول إلى المثمن عبر البازيليك الجنوبية زخرفت الواجهات الداخلية للمثمن بكورنيش زخارفه هندسية وأوراق الأكانت وصلبان محورية أو أفقية.

 


3.البازيليك الشرقية: خصصت هذه البازيليك التي تؤرخ إلى القرنين الخامس – السادس الميلاديين لإقامة الشعائر الدينية وكانت المكان الأكثر قدسية بينما خصصت بقية الأجنحة للحجاج، وهي الأكثر طولاً بين البازيليكات الأخرى، وتوجد فيها غرفة الخدمة وغرفة ذخائر الشهداء أو القديسين.

فصلت البازليك الشرقية عن المثمن بجدار خشبي، وبعد التعديلات أصبحت ترتبط بالمثمن من خلال رواق معمّد.

أما سقف هذه البازليك فقد كان ينتهي (بسقف مائل الطرفين) وقد بلطت الأرضية بالرخام المشقف والمطعم، ويعتقد أنها كانت مبلطة بالفسيفساء.

 

 

4.البازيليك الغربية: تتميز بأساسات مدعمة بقوة لتتكيف مع الفرق الكبير في مستوى هذا المكان الذي يشغله خزان ماء كبير.

تحيط بهذه البازيليك أجنحة من ثلاث جهات، وقد تحولت فيما بعد إلى حصن، دعّم القسم الغربي ببناء كبير مقوّس، وتوّجت الواجهة الغربية بجبهة تحوي نافذتين ويخترق الواجهة الغربية في الوسط مجاز رباعي الفتحات بثلاثة أعمدة.

ويقال إن السقف الخشبي قد دمر بحريق قديم ولكن في فترة الاحتلال البيزنطي أعيد ترميم المكان ليصبح سورا محصنا وأكثر سماكة.

 


5.البازيليك الجنوبية: وهي شبيهة بالأجنحة السابقة حيث تتألف من 3مجازات و7 فتحات يتقدمها رواق معمد. لها واجهة جميلة مزخرفة وتتألف من ثلاثة أقواس ضخمة، وتحمل أعمدتها أوراق الأكانثيا.

أما الأرضية فهي معدلة ومبلطة بالرخام المشقف والمطعم وفي الطرف الجنوبي منها هناك مظلة صرحية.
ويعتبر هذا الجزء المدخل الرئيسي للحرم ومنه يلج الحجاج إلى الداخل.

 


6.البازيليك الشمالية: يوجد في هذا الجناح 6مجازات و5 أعمدة تمتد من جانب إلى آخر، ومازالت جدارنها الخارجية بحالة جيدة، وقد ضمت في جدارها الشرقي تجويفاً حوى على ثلاثة أضرحة ضخمة، تعود إلى القرن العاشر، وربما دفن بهما رجال دين ومحسني الكنيسة، وتقع أمام هذا الجناح مقبرة الرهبان الجماعية.

 


المعمودية في دير سمعان

 

وهي بناء منعزل مربع محاط بممرات من 4جهات وقد تم تنظيمه بشكل يمنع اختلاط المعمدين بغير المعمدين. في وسطه مثمن صغير بنوافذ مزخرفة، وفي جهته الشرقية حفرة مستطيلة مكسية بالقرميد لها درجين في جهتها الشمالية والجنوبية حيث ينزل الشخص المراد تعميده من إحداهما في الماء ويخرج من الجهة المقابلة.

 


ويستطيع المعمدون الخروج إلى الكنيسة المصلبة من الباب الشمالي للدار. وقد حصلت بعض الإضافات الهامة أدت إلى تشويش تنظيم دار العماد، وهي بناء البازيليك في الجنوب وممر في الشرق ورواقين في الشرق والغرب. إضافة إلى مبنى كبير ذو ثلاثة طوابق في الجهة الجنوبية سد الفراغ الشعائري بين دار العماد والكنيسة المصلبة.

 


ويبدو أنه في عام 750 أو أكثر بقليل تم تحويل المعمودية إلى جامع مع إنشاء سطح معمول من أربعة أقواس متداخلة.

 

 

الدير الملحق لكنيسة دير سمعان

 

يشكل الدير ملحقاً للكنيسة، ويتألف من أبنية من ثلاثة طوابق تؤلف شكلا من ثلاثة أضلاع (تشبه حرف U).

 


أقام الرهبان في الجهة الشرقية من الطابق الأرضي، في حين استخدم جزء منه كإسطبل لإيواء الحيوانات، أما باقي الجهات فقد أحيطت بها الأروقة.

 


توضعت الملحقات الاقتصادية في القسم الجنوبي، أما الجهة الشمالية فشيدت فيها كنيسة الرهبان على طراز بازيلكات كنيسة سمعان، حيث بني فيها غرفتان إحداهما في الجهة الشمالية، والأخرى في الجهة الجنوبية. ينتهي الحرم بسور بين صف الدعامات يفصل بين الهيكل أما الباحة فتحوي جرن معمودية مغطى بقبة صغيرة لتعميد الأطفال.

 


أنشأ باب الدخول الرئيسي في الغرب، ويتقدمه رواق ما تزال أرضياته تحتفظ ببقايا فسيفساء بيضاء. وقد عثر خارج الواجهة الغربية لكنيسة الدير على أحواض محفورة في الصخر استخدمت غالباً كمعاصر للعنب والزيتون.

 

 

المدفن الجماعي في دير سمعان

 

ويؤرخ بالقرنين الخامس والسادس الميلاديين. وهو مبني ضمن مقلع صخري له واجهة مزخرفة ويشبه إلى حد ما كنيسة بصحن وحيد كباقي المدافن الجماعية للأديرة كما أنه يأخذ نفس اتجاه الكنيسة.

 


مبنى الأروقة قرب المعمودية في دير سمعان

 

يؤرخ هذا المبنى إلى القرنين الخامس –السادس الميلاديين، وهو مؤلف من سلسلة من أقواس مزدوجة تقود إلى مبنى طولاني مؤلف من ثلاثة مستويات. ويحوي الممر على أربعة أقواس مزدوجة تخترق الرواق الجنوبي والجداران الشمالي والجنوبي للمبنى والرواق الشمالي.

 

 

قوس النصر في دير سمعان

 

يؤرخ إلى القرنين الخامس – السادس الميلاديين. وقد تركزت التحريات الأثرية على قوس النصر في جزء من الطريق المقدس، ويبعد هذا الطريق حوالي 400 م عن المجمع الديني، ويشكل نقطة الوصول إلى أراضي المجمع الديني.

 

 

ويشير القوس إلى دوره في الشروع بتمجيد القديس العمودي، ويرمز أيضاً إلى الحد الوقور قبل الوصول نحو الموقع المقدس. ووفقاً للعناصر المعمارية والزخرفية، فإن القوس يتماشى مع البرنامج المعماري لكل المجمع.

 

أهم اللقى الأثرية في دير سمعان

 

نتيجة أعمال البعثات الأثرية المتعاقبة في القلعة تم اكتشاف العديد من اللقى الأثرية المهمة والمختلفة، ونشرت عنها العديد من الدراسات والأبحاث الأثرية، منها مجموعة كبيرة من الأواني الزجاجية التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة (بيزنطية وإسلامية)، وعدد كبير من الأوان الفخارية والخزفية، ومجموعة من الأدوات المعدنية المختلفة الاستعمال.

 


تعرضت الكنيسة في قلعة سمعان لأضرار عديدة نتيجة الأحداث التي مرت على سورية حيث طالت الأضرار الكنيسة المصلبة والعمود الذي يتوسطها الذي كان يعيش فوقه القديس سمعان، وحتى الآن لم نحصل على تفاصيل حول مدى الضرر الذي حصل.

 


وتشكل الأضرار في هذا الموقع الاستثنائي جزءاً من المأساة التي تعرض لها التراث السوري خلال هذه الأزمة، وتبدي المديرية العامة للآثار والمتاحف قلقها وتخوفها على مصير هذه القلعة نتيجة الأحداث الجارية في المنطقة.

 

 

رزان محمد

 

 


 


عدد القراءات: 3199

اخر الأخبار